الربيع العربي وانعكاساته على الأردن

July 14, 2013 — Leave a comment

على الرغم من اختلافي مع التسمية، لقد حل “الربيع العربي” علينا قبل عدة سنوات ليقلب الموازين في المنطقة العربية والعالم أجمع، فكانت صحوة للشعوب وإنهاء لأنظمة وإطاحة برؤساء حكموا لعشرات السنين وآخرين بالكاد أكملوا عاماً واحداً من حكمهم وإصلاحات لأنظمة أخرى وحرب أهلية من جهة وتحالفات إقليمية ودولية من جهة أخرى وتصدر دول جديدة الساحة السياسية في المنطقة. العديد من التغيرات الجذرية حصلت من حولنا واكبتها ثورة إعلامية جعلت البعض متأكداً أن ما حصل هو سيناريو معد سلفاً وأن الربيع العربي ما هو إلا مؤامرة صهيو أميريكية تهدف إلى خلق المناخ المناسب لإقامة ما سمي ب “الشرق الأوسط الكبير” أو “الشرق الأوسط الجديد” والإبقاء على مصالح أميريكا وإسرائيل في المنطقة. لا أحد منا يستطيع أن يعلم إن كانت تلك المؤامرة فعلاً موجودة أم لا، فالمعطيات تتغير بطريقة تناقض نفسها وبالتالي ما يحصل خلف الجدران، إن حصل، هو أمر سيبقى مخفياً حتى إشعار آخر.

بغض النظر عما سلف، سأحاول التطرق إلى ما حال بالشباب العربي جراء هذا الربيع أو الصحوة وانعكاسات هذه الحالة على الوضع في الأردن. هل هي فعلاً صحوة أم صدمة أحلت بنا جعلتنا نتخبط لدرجة أننا أصبحنا نجهل أين تقع مصلحتنا وما هي أولوياتنا لنستغل هذا الربيع؟ هذا التخبط بلا أدنى شك حل بالأنظمة ذاتها التي أطيح بها أو بقيت والمؤشرات على ذلك كثيرة.

سأتكلم عن الموضوع من وجهة نظري الشخصية ومن تجربتي الشخصية، فأنا لم أكن في يوم من الأيام ملماً أو مهتماً بالسياسة، بالنسبة لي كانت معلومات عامة وموضوع محرم حسب العادات والتقاليد. معظم الشباب العربي تربى على مبدأ “أمشي الحيط الحيط وقول يا رب الستر”، فالسياسة والدين والجنس هي الثلاثة تابوهات المدرجة في عادتنا وتقاليدنا، ويأتي تحريم السياسة من باب الخوف من الاعتقال من قبل أجهزة المخابرات أو حتى أن بعض الناس كانوا يخشون القتل بسبب اتجاهاتهم السياسية. حل بنا الربيع وأصبح الممنوع مقبول ومتاح وواجب في بعض الأحيان، حل بنا الربيع في أوج ثورة تكنولوجيا المعلومات والإعلام الإجتماعي وبالتالي لم يكن هنالك مفر من الإنخراط بما يحدث.

ما هو أثر تلك النقلة المفاجئة والخروج من القوقعة بين ليلة وضحاها؟ هذه النقلة وبالمقام الأول انطبقت عليها مقولة “كل ممنوع مرغوب” وبالتالي وجد الشباب المتنفس ليقولوا ما أرادوا بعيداً عن الهواجس الأمنية التي كانت تحيط بحديث وتطبيقات السياسة. هل كان الشباب في عالمنا العربي جاهزاً فعلاً لتلك النقلة؟ هل كان العالم العربي بكل أطيافه وفئاته جاهزاً لهذه النقلة؟

لقد أدى هذا الربيع إلى انقسام حاد بين أبناء البلد الواحد وأصبح لكل شخص وجهة النظر الخاصة به والتي في معظم الأحيان اتخذت شكل المعارضة أو الموالاة بعيداً عن الوسطية إلا في حالات نادرة، فالمعارضة تدفع باتجاه تغيير أنظمة الحكم أو منهجيتا على الأقل، والموالاة تدافع دفاعاً مستميتاً عن أنظمة الحكم الموجودة بطريقة عمياء؛ في كلتا الحالتين يتجلى عدم نضوج الفكر السياسي لدى الطرفين. المشهد السوري على سبيل المثال انتقل من حالة الخلاف السياسي الحاد إلى حالة حرب همجية ما زالت تزداد تعقيداً وما زال يروح ضحيتها أناس كل يوم مع تدخل غريب من قبل جميع القوى السياسية في العالم والتي كل منها أصبح يغني على ليلاه غير آبهين بقتلى أو جرحى، فكل ما يجول في خاطرهم هو مصالحهم، وأنا لا ألوم أي دولة أو شخص يجري خلف مصالحه، بل ألوم من يسمح لهم بهذا الانتهاك. في مصر وجدت الحركة التي بقيت مكبوتة طوال الوقت الفرصة المناسبة لها للسيطرة وحالها هو حال جميع العرب الذين اصابتهم لعنة الربيع، فأرادوا أن يحققوا مبتغاهم من دون أي خبرة مسبقة تمكنهم من إحكام قبضتهم على الحكم وها نحن نرى مصر تثور من جديد في مشهد يزداد تعقيداً وفرقة بين أبناء البلد الواحد بناءً على انتماءات حزبية وسياسية وبعيداً عن تقديم مصلحة الوطن التي هي الأساس عندما نتحدث عن الربيع العربي.

بالنسبة لي، المشهد الأردني في ظل الربيع العربي معقدٌ للغاية، بالرغم من أن الأحداث تجري على مستويات لا تقارن بالدول المجاورة، ولكن الدول المجاورة وصلت إلى مراحل متقدمة من هذه الصحوة أدت إلى تغييرات جذرية وجميعها اجتمعت على هدف واحد أو عدة أهداف ودفعت باتجاهها، بالرغم من وجود عدة انقسامات، ولكنها انقسامات واضحة المعالم. المشهد الأردني معقد بما فيه الكفاية لأن جميع المؤشرات تدل على أن الانقسام الحاد بين القيادة والسلطات التنفيذية والتشريعية والشعب وصل إلى مراحل أدت إلى تشتيت الجهود لتحقيق الأهداف الضمنية التي جاء الربيع العربي منادياً بها، كأن كل مكون من هذه المكونات يعيش في دولة على حدى. هناك خلاف حاد على مضامين الكثير من المفاهيم وكيف تنظر كل فئة لها، لقد انتقل الخلاف في الأردن من مرحلة الخلاف على أهداف إلى مرحلة الخلاف على أشخاص بغض النظر عن مقوماتهم، وكأن القضية أصبحت قضية شخصية بدلاً من قضية وطن وحلول جذرية ترتقي بدولة تواجه أصعب الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

منهجية الربيع العربي جعلت الكثيرين يتطلعون إلى تغييرات شاملة أقرب ما تكون إلى المثالية، وبالتالي أصبحت سطحية التغييرات المطروحة من قبل أصحاب القرار مسبباً آخر للاحتقان. عندما نتحدث عن الأردن، نجد أن الخلاف يكمن في طريقة فهم الأمور أو اختلاف تعريفها من شخص إلى آخر، ومن وجهة نظري الشخصية أرى أصحاب القرار غير قادرين على التعامل مع الموقف بجدية أو فهم متطلبات المرحلة وبالتالي التخبط وخلق فجوات جديدة تعرقل عملية التنمية.

على سبيل المثال، مصطلح الفساد الذي فقد مضمونه في الأردن بسبب حصريته وتعلقه بقضايا اقترنت بسرقة أموال طائلة لم يلبي تطلعات فئة كبيرة في المجتمع والتي ترى الفساد موجود على جميع الأصعدة، والفساد المؤثر فعلاً هو الذي نتغاضى عنه فيما يتعلق بأمور الوظائف العامة، والبطالة المقنعة وجودة المشاريع التي يصرف عليها أموال طائلة ووجود فئة من الوصوليين الذين ينشدون تحسين صورتهم أمام إدارتهم على حساب إعطاء الأشخاص حقهم مما يؤدي إلى حالة من الإحباط… إلخ.

من المعلوم والواضح للجميع أن الأردن في حالة لا يحسد عليها من التدهور الاقتصادي، ولكن من الواضح أيضاً أن الحكومات المتعاقبة تقوم باتخاذ قرارات آنية غير قادرة على تحقيق التقدم الاستراتيجي على المدى الطويل، وكل مشكلة أصبحت تولد مشكلة أخرى في حالة تذكرني بحلول الطرق التي تؤدي في الغالب إلى نقل الازدحام المروري من منطقة إلى أخرى. الاقتصاد الأردني والحلول المتعلقة به بحاجة إلى إعادة هيكلة وتشاركية في صنع استراتيجية بين جميع القطاعات بدلاً من اتخاذ قرارات أحادية الجانب وقصيرة المدى. الحكومات أصبحت تورث مشاكلها بدلاً من وضع أطر علمية واستراتيجية للخروج من الأزمات، فيأتي كل رئيس حكومة جديد لينسف ما فعله أسلافه معتقداً أن الحل الأمثل بيده.

لقد أدى الربيع العربي في الأردن إلى رفع سقف الطلبات، كما أدى إلى تنمية الشعور بالمسؤولية بين الشباب الأردني وبالتالي حاجته إلى الانخراط في المجتمع بطريقة أو بأخرى والحصول على دور فعال وقيادي، هذا ما لم تستوعبه السلطة التشريعية سابقاً وما لم تستوعبه السلطة التنفيذية حتى الآن وبالتالي تشكلت حالة هي أشبه بالحاجز بين فئة الشباب والقيادة. دور القيادة في الدولة يأتي في استيعاب متطلبات المرحلة واستغلال الطاقة المتحررة في الشباب لتنمية شعورهم بالانتماء للوطن، لا لشخص أو لمجموعة أشخاص أو لعشيرة أو لحزب، فجميع الانتماءات الأخرى يجب أن تندرج تحت بند  الانتماء الوطني ليتم استغلالها في مصلحة الوطن. إذا لم تتمكن الدولة من تحقيق ذلك، سيصبح من السهل على الشباب المتحمس والمحتقن والذي تأثر بزوبعة الربيع العربي أن يجد بديلاً، والبديل يكمن في تفريغ هذه الطاقة والاحتقان بطرق أخرى والعنف هو إحداها.

No Comments

Be the first to start the conversation.

Leave a Reply

*

Text formatting is available via select HTML. <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>